الأمهات العازبات في تونس والخوف من المستقبل

الإحصائيات تكشف تنامي الولادات خارج إطار الزواج، وخطاب النهضة المزدوج يثير مخاوف الحقوقيين من ضياع حقوق هذه الشريحة.

ميديل ايست اونلاين | 2012-01-04
ارسال بواسطة الايميل طباعة تعليق
ارشيف
خوف ومعاناة وترقّب
خوف ومعاناة وترقّب

رغم أن الحمل خارج إطار الزواج الرسمي ما يزال في المجتمع التونسي من المواضيع الموصومة بالعار، فإن آخر الأرقام الرسمية الصادرة عن مركز أمل لتأهيل الأمهات العازبات تشير إلى وجود أكثر من 1070 حالة ولادة سنويا. ومع ذلك فإن هذه الارقام لا تعكس حقيقة الواقع بصفة جلية لأن أغلب الولادات تتم في سرية تامة ودون علم الجهات الرسمية.

نهى أم لكنها عزباء تروي لـ"ميدل إيست أونلاين" قصتها التي وصفتها ب"النكبة والطيش الطفولي" قائلة "أنا فتاة أصيلة الوسط الغربي للبلاد التونسية انتقلت منذ سنوات إلى العاصمة للدراسة بعد نجاحي في الباكالوريا بتفوق، وهناك تعرفت على شاب ثري غرّر بي". وتضيف "وعوده بالزواج والعيش الكريم والاستقرار والهناء والسعادة كلّها تبخّرت مع أول لقاء جنسي بيننا، وهذا كلفني الكثير، لقد أنجبت منه لقيطة بنصف هوية".

ولم تتوقع نهى لوهلة أن الدهر كان يخبئ لها هذه المفاجأة، فأشهر الحمل الطويلة قضتها بمفردها في منزل عجوز أجنبية كانت تشتغل لديها معينة منزلية، لان أهلها تخلوا عنها. وتقول نهى "ظننت أن مصارحة أمي وأبي بما جرى سيكون سببا لتخفيف معاناتي فما راعني إلا تنكرهما لي".

ونهى ليست حالة شاذة في المجتمع التونسي من اللاتي حملن وأنجبن خارج إطار الزواج. فوفاء فتاة أخرى تقطن بأحد أرياف الجنوب التونسي تبلغ من العمر 19 سنة قست عليها الظروف المادية بعد وفاة والدها، فانقطعت عن الدراسة واتجهت إلى إحدى مدن الساحل لتشتغل في ورشة خياطة حتى تساعد والدتها على مجابهة مصاريف إخوتها، وهناك تعرفت على شاب ادعى على حد تعبيرها أنه طالب بالجامعة القريبة من محل سكناها فأخذ يتردد عليها بين الحين والآخر، فعاشرته معاشرة الأزواج إلى أن اكتشفت أنها حامل في الشهر الرابع، أخبرته لكنه أنكر علاقته بها وغيّر رقم هاتفه الجوال، واتضح أن الاسم الذي مكنه منها كان مستعارا.

وأكدت وفاء انها أخبرت والدتها فهددتها بالقتل خوفا من الفضيحة وطلبت منها أن تجري عملية إجهاض لكن الطبيب رفض، فلم تجد وفاء حلا سوى الهرب والعمل كمعينة لدى إحدى العائلات الأجنبية بالعاصمة إلى أن أنجبت مولدوها وانقطعت علاقتها بكافة العائلة.

وتكشف الاحصائيات أن أغلبية الأمهات العازبات ينتمين إلى الفئة العمرية بين 20 و24 سنة وذلك بنسبة 33% من مجموع الأمهات العازبات، تليها الفئة العمرية بين 15 و19 سنة وذلك بنسبة 27% أما على المستوى الدراسي لهذه الفئة من الأمهات فيبين المسح أن أكبر نسبة توجد في صفوف الفتيات ممن لهن مستوى تعليم أساسي أي بنسبة 46%، يليها التعليم الثانوي بنسبة 35%، في حين أن الأمهات العازبات الأميات لا تتجاوز نسبتهن 15% أما الامهات اللاتي لهن مستوى تعليم عال فـيبلغن 3%. وتؤكد الإحصائيات ذاتها أن أكثر من نصف الحالات تسجل في إقليم تونس الكبرى.

وعبرت عديد الأمهات العازبات لـ"ميدل ايست أونلاين" عن معاناته من وضعيات هشة في مجتمعهن، وهذه المعاناة تترجمها طريقة تعامل المؤسسات الرسمية مع هذه القضية التي ما يزال الإعلام والهيئات ينظر إليها بسطحية وباحتراز.

فرغم احداث مصالح وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية لمراكز تأهيل الأمهات العازبات واعترافهن بهذه الظاهرة التي أصبحت واقعا لا يمكن انكاره داخل المجتمع التونسي، الا ان موضوع هذه الشريحة يعتبر من المحظورات التي لا ينبغي مناقشتها، والجواب حولها جاهز ومسلم به، وتختزله عبارات من قبيل أن العلاقة بين الرجل و المرأة خارج إطار الزواج تعد غير شرعية، وتعرض الأم العازبة ـ وليس شريكها ـ إلى كل أنواع الاضطهاد و العقاب الاجتماعي، المعنوي والمادي.

وفي المستشفيات التونسية العمومية يشار إليهن بتسمية "حالة اجتماعية" وهن يتخفين وراء هذه الكلمة المبهمة ويحرصن على عدم تفسيرها لأي كان.

ولا أحد يزرهن خلال التوقيت المخصص للمعايدات، هن وحيدات لا أنيس لهن إلا أطفالهن الرضع... وتقول إحداهن "طالما حلمت بمقام أفضل وبنهاية أسعد.. يؤلمني منظر النسوة اللواتي يتهيأن لمغادرة المستشفى بعد كل ولادة على وقع التهاني وانا ألاحق كالنكرة ويشار الي بأصابع الاتهام وكأنني مجرمة". وتضيف كل ما اخشاه ان يزيد تهميشنا وينبذ أطفالنا وتضيع جميع حقوقهم في ظل هذا العهد للإسلاميين الذين يعتبرون ما اقترفناه جرما ولابد من القصاص منا".

وكانت سعاد عبدالرحيم عضو المجلس التأسيسي عن حزب النهضة أثارت جدلا كبيرا بين الإسلاميين والعلمانيين واليساريين بسبب تصريحاتها التي ادلت بها إلى راديو «مونت كارلو» حو قضية الامهات العازبات ، وقالت فيها "إن طرح مثل هذه المواضيع يسيء بشكل كبير لسمعة وشرف الفتاة التونسية".

واستنكرت ما سمته ربط مفهوم حرية المرأة بالسلوك "اللاأخلاقي" وعبرت عن رفضها لسن قانون يحمي هذه الفئة الاجتماعية بدعوى أن إيجاد الإطار القانوني يحفز على تواصل هذه الظاهرة الاجتماعية والحل حسب رأيها يكمن في الإصلاح من الناحية الأخلاقية.

ورفضت عبدالرحيم (التي لا ترتدي الحجاب) أن تتولى الدولة سن قوانين لفائدة الوضعيات الخاطئة أخلاقيا واجتماعيا كما عبرت عن ذلك.

واثارت تصريحات عبدالرحيم جدلا واسعا داخل الاوساط والشخصيات المدافعة عن حرية المرأة واتهموا سعاد عبد الرحيم بعدم فهم الموضوع والالتزام برؤية وأجندة حركة النهضة والتيارات الإسلامية في حل المشكلة.

وقالت بشرى بلحاج حميدة (ناشطة بالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي تدافع عن الملف منذ سنوات) بأن الضرورة توجب توجيه الاهتمام لهذه الفئة الاجتماعية التي تعرضت للتغرير وأحيانا لحالات اغتصاب وهي مكونة بالأساس من الأميات والفتيات محدودات المستوى التعليمي، وطلبت تمكينهن من فرص الاندماج الاجتماعي.

وقالت أطراف يسارية تونسية إن عبدالرحيم تستعيد بتصريحاتها "النظرة الشرعية للمرأة الزانية في الإسلام وهي لا حل أمامها إلا الجلد أو الرجم".

و اثارت تصريحات لرئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي أشار فيها إلى "خلافة سادسة" أيضا جدلاً كبيرا بشأن "ازدواجية" خطاب الإسلاميين.

وأكدت بعض الناشطات والحقوقيات التونسيات ان خطاب حركة النهضة لا يبعث على الاطمئنان وذهبن إلى حد القول، "إن النهضة ارتدت فستان الديمقراطية أثناء العرس الانتخابى لتخلعه بعد فوزها، معربات عن قلقهن وخوفهن من ضياع حقوقهن.

ويذكر أن قانون سنة 1998 المتعلق بإسناد اللقب العائلي للأطفال مجهولي النسب، أعطى للأم التونسية الحق في إمكانية إثبات نسب طفلها الذي انجبته خارج إطار الزواج الرسمي. وينص القانون على أنه بإمكان الأم العزباء رفع قضية تطالب فيها بإلحاق النسب لابنها إذا تمكنت من إثبات الأمر بطرق عدة من بينها التحليل الجيني أو توفر الشهود وهو ما يمكن الطفل المولود خارج إطار الزواج من إثبات النسب والتمتع كذلك بكل حقوق الابن الشرعي.

شارك - ارسل الى اصدقائك عبر

تعليقات 0
لا يوجد تعليقات على هذا المقال حالياً...
و انت ، ما رأيك؟
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :

اعلانات

النشرة الدورية

استلم اخبارنا عبر الايميل