| الارابيسك |
![]() |
| مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية |
مقدمة :
لم يكن الاغتراب في يوم ما هاجسا بالنسبة لي ، وان كان يلامس حياتي بشكل أو آخر ، فقد بدأت علاقتي به عندما علمت من والدي وانا طفل صغير ، أن أحد أعمامي الذي هاجر الى الارجنتين طلبني ابنا بالتبني ، لأنه لم يرزق أطفالا .. وعلمت أن والدي رفض الفكرة باصرارشديد وبشئ من الغضب ، لأن آلية الطلب جعلته يعتقد أن عمي يتعامل مع ابن أخيه تعامله مع الشاة التي يمكن أن تباع وتشرى دون تبعات نفسية وعاطفية .
في البلدة التي شهدت طفولتي وفتوتي ، كنت أسمع كثيرا عن رسائل تذهب ونقود تأتي وعلاقات لا تتوقف بين أمريكا " أمالكا " وبين هذه البلدة الصغيرة ، حتى ظننت كما كان يظن الكثيرون من أهل البلدة ، أن الذهب في " امالكا " مرمي على قارعة الطريق ينتظر من يمتلك الرغبة في جمعه ، لكنني فوجئت بعودة أحد أعمامي من مغتربه الارجنتيني ، وصدمت لأنه لم يتأخر كثيرا في مطالبته ب " حصته " من بيتنا المتواضع بدعوى أنه شارك والدي في وضع أساساته قبل رحيله الى الارجنتين . في تلك الأيام كان الحديث عن الرسائل والغياب قد انحسر كثيرا من سهرات الأسر والأصدقاء والجيران ، كما تضاءلت الى حد كبير الأموال الآتية من المهجرالى الأسرالتي هاجر أفراد منها الى بلاد الإغتراب ، عندها بدأت بالتساؤل :
- لماذا عاد عمي فارغ اليدين والجيوب من " أرض الذهب " واضطر لمقاسمتنا البيت لكي يتمكن من العيش . ؟ ولماذا تضاءلت النقود الآتية من " أمالكا " لكافة الأسر .. هل نفذ الذهب . ؟
في وقت لاحق درست الأدب المهجري وخاصة الشعر الذي نظمه شعراء المهجر الأمريكي . كانت الكتب المدرسية تركز على موضوع الحنين والشوق الذي يكابده المغتربون والشعراء البعيدون عن أوطانهم ، ولأنني تأثرت بالبكائيات التي نظمها هؤلاء الشعراء الح على " نافوخي " سؤال آخر :
- بما أن الشعراء يعانون كل هذه المعاناة من الغربة ويكابدون كل هذا الشوق والحنين ، فلماذا لايعودون . ؟ يومها لم أجد اجابة مقنعة لهذا التساؤل ، ولم أسع بجدية للحصول عليها .
مع اطلالة عام 1990 أوفدت من قبل وزارة الثقافة السورية مديرا للمركز الثقافي السوري في سان باولو ، وقبل التحاقي بعملي قرأت كل ما توفر لي من كتب ودراسات عن الهجرة السورية اللبنانية الى الأمريكيتين ، وخاصة الى البرازيل ، لأكون فكرة ما عن طبيعة الأشخاص والبيئة التي سأتعامل معها .. في كل ما قرأت كان الموضوع ذاته يتكرر " الحنين والشوق " ولوم الاحتلال التركي الذي أفقر البلد ودفع أهلها الى الرحيل ،اضافة الى دراسات وآراء يغلب عليها الانطباعات العاطفية والشاعرية ، وتفسيرات تفتقر للتوثيق والمنهجية ولا تختلف كثيرا عما قرأته في الكتب المدرسية ، ومن جملة ما قرأت مقالة للكاتب والمؤرخ الكبير المرحوم شاكر مصطفى ، رأى فيه أن سيول المهاجرين بدأت تهدر باتجاه أمريكا ، عندما صعد " مجنون ما " الى قمة أحد الجبال ونادى على الناس ليجمعهم ثم قال لهم : " الحقوني " . وركب البحر وركب الآخرون .
ركبت الطائرة متوجها الى البرازيل . كانت الرحلة طويلة ، وبعد مرور ساعات من الطيران شعرت بالضيق والضجر على الرغم من الخدمات الجيدة التي قدمت للركاب ، ومن وجود وسائل التسلية على متن الطائرة ، كنت أستعجل مرور الوقت لأتخلص من ذلك الشعور الذي انتابني ، هو شعور مختلط من القلق والضيق والضجر ، ولم أتخلص من هذه الحالة الإ عندما ألحت علي فكرة المقارنة ، وتساءلت بيني وبين نفسي :
- كيف تمكن مواطنو بلاد الشام ومنهم أبناء بلدتي من الذين هاجروا الى الأمريكيتين واستراليا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من تحمل رحلة بحرية مضنية وشاقة وخطرة للوصول الى هذه البلاد البعيدة ، وما هي الدوافع الحقيقية التي جعلتهم يقدمون على خوض هذه المغامرة . ؟!
منذ تلك اللحظة ، منذ ذلك التساؤل ، أصبح الموضوع هاجسي ، وفور وصولي الى " أرض الذهب " بدأت بالبحث ، ومع مرور الوقت بدأ هاجسي يكبر ويتطور . اختلطت بالمهاجرين وأبنائهم وأحفادهم ، قرأت ما كتبوه في صحفهم وكتبهم وفي بعض الرسائل المتبادلة بينهم وبين أهاليهم في الوطن الأم . سمعت قصصهم المثيرة ، واطلعت على تفاصيل مغامرتهم الكبرى ، وأسباب إقدامهم على خوض معتركها . عاينت الأماكن التي احتضنتهم ، عشت حياتهم ودخلت المؤسسات الضخمة التي بنوها في مغتربهم ، ودرست قوانينها وأنظمتها وأسباب بنائهم لها .
ثمانية أعوام من دراسة الهجرة – أسبابها وحيثياتها وانعكاساتها على المهاجرين – كشفت أمامي شريطا فيه الكثير من الأسرار ، فيه الكثير من العبر والكشف عن دواخل الإنسان ، شريط ملحمي تتوزع مشاهده بين المأساة والملهاة ، بين الحلم والواقع ، بين النجاح والإنكسار ، شريط من دم ودموع وجوع وألم ، من تخمة ونجاح وانجازات وانتصارات ، من أفراح وأحزان .
بعد ثماني سنوات ومن خلال اشكالية طرحتها ابنتي الصغيرة ، اكتشفت أنني لم أعد خارج مشاهد هذا الشريط – الملحمة - ، لقد أصبحت على تماس معه ، بل أن شيئا مني تسرب الى داخله ، ويمكنني في أية لحظة أن أكون جزءا من مكوناته .. وهكذا بدات رحلة جديدة من الغوص ، ولكن هذه المرة الى عمقي أنا ، واكتشفت أن عمقي وعمقهم واحد ، وضبط نفسي متلبسا بالجرم المشهود !؟
لقد أصبحت على استعداد لأكون أحد أتباع ذلك " المجنون " الذي صعد أيام الاحتلال العثماني الى قمة أحد الجبال وقال للناس : " الحقوني " ! ، عندها بدات التحضير لهذا العمل الذي سأكشف فيه من خلال الأحداث والأشخاص ، من خلال المآسي والأفراح والجوع والكفاح ، من خلال الملحمة .. عن الإنسان ، عن " جنونه " عندما يتحول الى حلم وطريق اجباري ذي اتجاه واحد .. عن استعداده واستعدادي واستعداد الجميع ـ اذا ما اقتضت الظروف ـ للإنضمام الى عالم المجانين . ؟!!
الاربيسك سيبدأ قريبا بنشر قصة هجرة سكان بلاد الشام إلى الأمريكيتين ويأخذ الهجرة الى البرازيل نموذجا.
البريد الالكتروني :
التعليق :